الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

190

تفسير روح البيان

نصب على الحالية من المفعول المقدر للمشيئة قال بعض الكبار أهل الجنة يبقى في مرتبة الجنة وأهل الترقي يتجاوز ويترقى إلى ما فوقها وتحقيقه على ما في التأويلات النجمية ان أهل السعادة على ضربين سعيد وأسعد فالسعيد من يبقى في الجنة ودرجاتها وغرفاتها إلى العليين بحسب العبادة والعبودية والأسعد من يدخل الجنة ويعبر عن درجاتها وغرفاتها إلى مقامات القربة بحسب المعرفة والتقوى والمحبة كقوله تعالى إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ وقال صلى اللّه عليه وسلم ( ان أهل الجنة ليرون أهل العليين كما يرى أحدكم الكوكب الدري في أفق السماء وان أبا بكر وعمر منهم في أنعم مكان فمن كان من أهل الجنة وأهل العليين فلهم خلود في الجنة ومن كان في مقام مقعد الصدق فهو في أنعم مقام من الجنة فلهم الخروج من الجنة من بجذبات العناية إلى عالم الوحدة ) والسر في هذا ان السالك يسلك بقدم المعاملات إلى أعلى مقام الروحانية من حضيض البشرية وهو بعد في مقام الاثنينية وهو سدرة المنتهى عندها جنة المأوى فلا عبور عن هذا المقام للملك المقرب ولا للنبي المرسل الا برفرف جذبة العناية فإنها توازى عمل الثقلين وبها يصل العبد إلى عالم الوحدة فافهم جدا فما بقي هناك الدخول والخروج والاستثناء بقوله إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ راجع إلى هذا المقام ولهذا قال عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ لأنه لا انقطاع له ولا تغيير فيه انتهى يقول الفقير على ما تلقف من فم حضرة الشيخ العلامة أبقاه اللّه بالسلامة ان أهل الجنة يصلون بمقتضى الاستثناء الذي هو قوله تعالى إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إلى مقام لا يشابه ما قبله أصلا وذلك بعد تطاول الزمان وتباعد التنعم في الجنان وعند ذلك يظهر سر الأزل في مرآة الأبد فكما ان مبدأ التعينات وهو شئونات الغيبية أزل الازال كذلك مقام هذا التجلي المخصوص ابد الآباد فالأبد المضاف هو ما بعد هذا التجلي لا إلى نهاية والمضاف اليه ما كان قبله مذ دخولهم الجنة وكذا الأزل فان ما فوق المبدأ المذكور هو الأزل المضاف وما تحته هو الأزل المضاف اليه ونظير هذا هو ما يصل اليه أهل الفناء الكلى في الدنيا وذلك انهم استوفوا حظهم من الأرزاق المعنوية بحيث لم يبق لهم بحسب مرتبتهم وتعينهم الخاص شئ لم يصلوا اليه من اسرار الافعال والصفات والذات في جميع المراتب والتعينات فعند ذلك يتجلى اللّه لهم بصورة أخرى لا تشابه ما قبلها أصلا فيحيون حياة ابدا باقية . ثم السر المذكور المنسوب إلى أهل الجنة والعليين جار على أهل النار لكنهم أهل الجلال ومقامهم مقام الفردية ولذا لا تزوج لهم ولا تنعم بما يتنعم به أهل الجنان وأهل الجنة أهل الجمال ومقامهم مقام الصفة ومقتضاه التنعم والتلذذ . فالفرق بين أهل الجنة وأهل النار ان لأهل الجنة ظهورا بالصفات وفي الظهور بطون وهو سر الذات وان لأهل النار بطونا وليس في البطون ظهور ولأهل الكمال إحاطة وسعة بحيث لا توصف وذلك في الدارين فالمقربون واقفون على أحوال الأبرار ومكاشفون عن مقاماتهم ومواطنهم وهم محجوبون عن المقربين في ذلك وكذا الأبرار واقفون على أحوال أصحاب المشأمة وهم محجوبون عن الأبرار فقس على حال الدنيا حال البرازخ والآخرة ولذا قال بعض الكبار ان الروح بعد خلاصه من حبس البدن ان كان علويا بعضه يقطع برزخا وبعضه أكثر إلى أن يسموا